الشيخ محمد رشيد رضا

464

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليهم . فأين هذا من قتال الاسلام وفتوحه المبني على قاعدة كون الحرب ضرورة تقدر بقدرها ، ويفترض الاحسان والرحمة بقدر الامكان فيها ؟ وقد قال النبي ( ص ) لمن مر بامرأتين من اليهود على قتلاهما « أنزعت الرحمة من قلبك حتى مررت بالمرأتين على قتلاهما ؟ » وقد شهد لنا المؤرخون المنصفون من الإفرنج بذلك حتى قال بعضهم : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب - يعني المسلمين منهم . اللهم ارحمنا واجعلنا من الراحمين ، وأجرنا من شر المفسدين القساة الظالمين ومن مباحث اللفظ في الآية أن كلمة يب وقعت خبرا للرحمة ومن قواعد النحو أن يكون الخبر مطابقا للمبتدأ في التذكير والتأنيث بأن يقال هنا يبة وقد ذكروا في تعليل هذا التذكير هنا وتوجيهه بضعة عشر وجها ما بين لفظي ومعنوي بعضها يب من ذوق اللغة وبعضها تكلف ظاهر ( منها ) أن التذكير والتأنيث هنا لفظي لا حقيقي فلا تجب فيه المطابقة ، وفيه أن الأصل فيه المطابقة فلا تترك في الكلام الفصيح إلا لنكتة ( ومنها ) ولك أن تجعله نكتة جامعة بين التوجيه اللفظي والمعنوي - أن معنى الرحمة هنا مذكر قيل هو المطر وهو ضعيف والصواب أن معناها الاحسان العام لأنها في هذا المقام صفة فعل لا صفة ذات ، إذ لا معنى لب الصفات الإلهية الذاتية من المخلوقين فيكون المعنى أن احسان اللّه يب من المحسنين ، ويؤكده ما فيه من التناسب بين الجزاء والعمل كما قلنا في تفسير الجملة ، ويؤيده حديث « الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث عبد اللّه بن عمر ، ووقع لنا مسلسلا عن شيخنا القاوقجي على أنه قد ورد في التنزيل ( لعل الساعة يب ) و ( لعل الساعة تكون يبا ) وقد يعلله فيهما برعاية الفاصلة من يقول بها وهم الجمهور ( ومنها ) أن يب في هذه الآيات بمعنى اسم المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث . وقد يقال إن المراد انه تعالى يب برحمته من المحسنين ، كما أنه يب بعلمه وإجابته من الداعين . وكثيرا ما يعطى المضاف صفة المضاف اليه وضميره . ومهما يقل فالاستعمال قد ورد في أفصح الكلام العربي وأعلاه ، فمن أعجبه شيء مما عللوه به لطرد قواعدهم قال به ، ومن لم يعجبه منها شيء فليقل إن هذا من السماعي ، وما هو ببدع في هذه اللغة ولا في غيرها